محمد بن علي الشوكاني
5110
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
تثبت ، والمحل مجال اجتهاد ، واجتهاد المغيرة ليس بحجة على الناس ، ولا فيه ما يوجب قصر الصغار على ما ذكر ، ولا نشك أن ما ذكره صغار ، ولكن ما الدليل على تعينه ، وعدم جواز غيره ، وإن كان أشد منه في الإذلال والإهانة ؟ وهذا القرآن مطلق فهل تقولون بتقييده بقول المغيرة ، أو سعيد بن المسيب ؟ فإن قلتم : المصير إلى تفسير السلف أرجح . قلنا : ونحن نقول كذلك ونسلم صحة تفسير الصغار بمثل هذا ، ولكن ما الدليل على قصر الصغار الصادق على كل فرد صدقًا بدليًّا إن لم يكن شموليًّا بالقرائن المقامية وغيرها عليه ؟ . قال : واستدل بالآية من قال : إن أهل الذمة يتركون في بلد أهل الإسلام ؛ لأن مفهومها الكف عنهم عن أدائها ، ومن الكف أن لا يجلوا . أقول : إن أراد هذا القائل ببلاد الإسلام جزيرة العرب فغير مسلم ؛ لتأخر الأمر [ 4 ] بالإخراج منها ، حتى قيل : إنه آخر ما تكلم به النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - كما ثبت في الصحيح ( 1 ) ، فهذا الاستنباط لا يعارض هذا المنطوق الصريح المعلوم تأخره وإن أراد ببلاد الإسلام الجزيرة وغيرها فلا يتم ؛ لأن السنة تخصص نصوص القرآن ، فكيف بمثل هذا ! فحديث : " أخرجوا اليهود من جزيرة العرب " مخصص لهذا المفهوم ، وإن أراد ببلاد الإسلام ما عدا جزيرة العرب فمسلم ، ولا يحتاج في جواز التقرير في غيرها إلى دليل ، وما سكت عنه الشارع ولم يدل على وجوبه العقل فهو عفو ، والتقرير في غير الجزيرة من هذا القبيل ، ولنا أن نعارض هذا الاستنباط ونقلبه . فنقول : تقريرهم في بلاد الإسلام فيه نوع إعزاز ، وقد أمرنا بأخذ الجزية منهم ، ألا وهم في غير بلاد الإسلام ، وهذا الاستنباط وإن لم يكن بذاك القوي ولكنه لا ينحط عن
--> ( 1 ) ( منها ) : ما أخرجه أحمد ( 1 / 222 ) والبخاري رقم ( 3053 ) ومسلم رقم ( 20 / 1637 ) عن ابن عباس قال : اشتد برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجعه يوم الخميس وأوصى عند موته بثلاث : " أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم " . وقد تقدم .